القاضي النعمان المغربي

18

تأويل الدعائم

أمر عليّا صلوات اللّه عليه فغسله ، وأمره فأنزله في قبره ؛ فلما رآه رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله قد دلى إليه بكى ، فبكى من حوله حتى علت أصوات الرجال على أصوات النساء ؛ فنها هم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله عن ذلك أشد النهى وقال : « تدمع العين ويحزن القلب ولا تقولوا ما يسخط الرب وإنا بك لمصابون وإنا عليك لمحزونون يا إبراهيم » ، فقالوا يا رسول اللّه لما رأيناك بكيت بكينا لبكائك ، فقال : « لم أنهكم عن البكاء وإنما نهيتكم عن النوح والعويل ، وإنما هذه رقة يجعلها اللّه عز وجل في قلب من يشاء من عباده ، ويرحم اللّه من يشاء وإنما يرحم اللّه من عباده الرحماء » ، ورخص صلى اللّه عليه وآله في البكاء بالعين عند المصيبة وقال النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب فقولوا ما أرضى اللّه ولا تقولوا هجرا ، وعن علي صلوات اللّه عليه أنه قال : الأنة والنخرة يعنى عند المصيبة من الشيطان وعنه صلوات اللّه عليه وعلى الأئمة من ذريته أنه قال : أخذ رسول اللّه ( ص ) في البيعة على النساء لا ينحن وقال ، النياحة على الموتى من أفعال الجاهلية ، وعنه عليه السلام أنه كتب إلى رفاعة قاضيه على الأهواز ، إياك والنوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان ، وعن جعفر بن محمد عليه السلام أنه لما احتضر أوصى ، فقال لا يلطمن على خد ولا يشقن على جيب فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها في جهنم صدع كلما زادت زيدت ؛ فالبكاء بالعين والحزن بالقلب إذا غلبا على المرء لم يستطع ردهما وما لم يستطعه الإنسان فهو محمول عنه ، قال اللّه عز وجل : « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » فالتكليف لما لا يستطاع ساقط وقد جاء عن رسول اللّه ( ص ) أنه قال تجاوز اللّه لأمتي عما أكرهت عليه ، وقال اللّه جل وعز : « إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ » فالصبر على المصاب بالموت الظاهر والباطن على ما ذكرناه يجب استعمال ما أمكن منه وقدر عليه وأستطيع ؛ وما غلب من ذلك ولم يستطع بعد بذل المجهود في دفعه واستفراغ الوسع في استعمال الصبر فلا حرج فيه ، ويستعمل من ابتلى بذلك الصبر ما استطاع ولا يسلم نفسه إلى الجزع ، ومثل الحزن بالقلب والبكاء بالعين في الباطن في الموت الباطن هو مثل ما يعترى من نقل من طبقته وحده ودرجته بعض من كان فيها معه إلى غيرها فتداخله من ذلك غم لتخلفه عنه وحزن على نفسه إذ لم يكن نقله معه إذا لم يكن نقله معه إذا نقل إلى ما هو أعلى أو على المنقول إذا نقل إلى ما هو أدون مما كان فيه ، وهو مع ذلك مسلم لأمر ولى أمره ،